السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 43

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

لا يسمح للفقيه أن يبرّر أيَّ حكمٍ من الأحكام بالاجتهاد ؛ لأنّ الاجتهاد بالمعنى الثاني ليس مصدراً للحكم ، بل هو عملية استنباط الأحكام من مصادرها ، فإذا قال الفقيه : « هذا اجتهادي » كان معناه أنّ هذا هو ما استنبطه من المصادر والأدلّة ، فمن حقّنا أن نسأله ونطلب منه أن يدلّنا على تلك المصادر والأدلّة التي استنبط الحكم منها . وقد مرّ هذا المعنى الجديد لكلمة « الاجتهاد » بتطوّرٍ أيضاً ، فقد حدّده المحقّق الحلّي في نطاق عمليات الاستنباط التي لا تستند إلى ظواهر النصوص ، فكلّ عملية استنباطٍ لا تستند إلى ظواهر النصوص تسمّى اجتهاداً دون ما يستند إلى تلك الظواهر . ولعلّ الدافع إلى هذا التحديد أنّ استنباط الحكم من ظاهر النصّ ليس فيه كثير جهدٍ أو عناء علمي ليسمّى اجتهاداً . ثمّ اتّسع نطاق الاجتهاد بعد ذلك ، فأصبح يشمل عملية استنباط الحكم من ظاهر النصّ أيضاً ؛ لأنّ الاصوليّين بعد هذا لاحظوا بحقٍّ أنّ عملية استنباط الحكم من ظاهر النصّ تستبطن كثيراً من الجهد العلمي في سبيل معرفة الظهور وتحديده وإثبات حجّية الظهور العرفي . ولم يقف توسّع الاجتهاد كمصطلحٍ عند هذا الحدّ ، بل شمل في تطوّرٍ حديثٍ عملية الاستنباط بكلّ ألوانها ، فدخلت في الاجتهاد كلّ عمليةٍ يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة عن طريق إقامة الدليل على الحكم الشرعي ، أو على تعيين الموقف العملي مباشرة . وهكذا أصبح الاجتهاد يرادف عملية الاستنباط ، وبالتالي أصبح علم الأصول العلم الضروري للاجتهاد ؛ لأنّه العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط . وهذه التطورات التي مرّت بها كلمة « الاجتهاد » كمصطلحٍ ترتبط بتطورات نفس الفكر العلمي إلى حدٍّ ما ، وهذا ما قد يمكن توضيحه خلال دراستنا لتأريخ علم الأصول .